السيد محمد الصدر
59
أضواء على ثورة الحسين ( ع )
المراد من هذا النهي : التحذير عن ترك الطاعات والوقوع في المعاصي « 1 » . وإذا تم ذلك : لم يكن في الآية أي دليل على ما يريد الناس أو يميل إليه المستدل ، بل تكون بعيدة عن ذلك كل البعد . الوجه الرابع : إننا لو تنزلنا جدلًا عن الوجوه السابقة ، وقلنا بحرمة التهلكة . فإنها إنما تحرم ما دام صدق العنوان موجوداً ، أو قل : إذا كان العرف يوافق على أنها تهلكة فعلًا . وأما إذا لم تكن كذلك خرجت عن موضوع التهلكة فلم تصبح محرمة . ولا شك أن المفهوم عرفاً وعقلائياً إن التهلكة إنما تكون كذلك والصعوبة إنما تكون صعوبة ، فيما إذا كانت بدون عوض أو بدل . فلو مر الإنسان بصعوبة بليغة من دون نتيجة صالحة لتعويضها كان ذلك ( تهلكة ) . وأما إذا كانت نتائجها حسنة فليست تهلكة بأي حال . ونحن نرى الناس كلهم ، تقريبا بل تحديداً ، يضحون مختلف التضحيات في سبيل نتائج أفضل ، سواء من ناحية الأرباح الاقتصادية أو المصالح
--> ( 1 ) وهنا يشير سماحة المؤلف إلى أن الآية الكريمة تعطي ثلاثة أوامر في سياق قرآني واحد وهو ( أنفقوا - ولا تلقوا - أحسنوا ) فإذا لا حظنا أن الأمر الأول والأخير ( الإنفاق والإحسان ) أنهما من الأمور التي يرجى عند العمل بها الحصول على الجزاء والثواب من الله عز وجل أخروياً أي أن العبد عندما ينفق أو يحسن لوجه الله إنما يأمل أن يرى أثر عمله أو طاعته أخروياً وهو رضا الله سبحانه وتعالى عليه وبالتالي دخوله إلى الجنة فلا ينتظر الجزاء في الدنيا أو من الشخص المقابل فإذا كانت نتيجة هذين الأمرين نتيجة أخروية يكون الأمر الثالث ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) أمراً أخروياً أيضاً لأنه واقع بنفس السياق فتكون التهلكة أخروية وهو دخول جهنم لترك الطاعات والوقوع في المعاصي . وأشار إلى هذا المعنى عدد من المفسرين ومنهم الفخر الرازي الذي أعطى في تفسير هذا المقطع من الآية عدة وجوه منها وجه قريب للمعنى السابق فيقول : قوله : ( وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) هو الرجل يصيب الذنب الذي يرى أنه لا ينفعه معه عمل فذاك هو إلقاء النفس إلى التهلكة فالحاصل أن معناه النهي عن القنوط عن رحمة الله لأن ذلك يحمل الإنسان على ترك العبودية والإصرار على الذنب . انتهى .